الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

429

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الألسن ، وذكريات في الخواطر ، وكلمات على صفحات التاريخ ومزقناهم كل ممزق . كيف دمرنا أرضهم بحيث سلبت منهم معها قدرة البقاء فيها ، وبذا أصبحوا مجبرين على أن يتفرقوا كل مجموعة إلى جهة لإدامة حياتهم ، ونثروا كما تنثر أوراق الخريف التي عصفت بها الريح حتى أضحى تفرقهم مثلا يضرب فقيل : " تفرقوا أيادي سبأ " ( 1 ) . وكما قال بعض المفسرين ، فقد ذهبت قبيلة ( غسان ) إلى الشام ، و ( أسد ) إلى عمان ، و ( خزاعة ) إلى جهة تهامة ، و ( أنمار ) إلى يثرب ( 2 ) . وفي ختام الآية يقول تعالى : إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ، لأن الصابرين والشاكرين وحدهم يستطيعون الاعتبار مما جرى ، خصوصا مع ملاحظة أن كلا من ( صبار ) و ( شكور ) هي صيغة مبالغة . ذلك لكونهم بصبرهم واستقامتهم يتمكنون من الإمساك بزمام مركب الهوى والهوس الجموح ، ويقفون بوجه المعاصي ، وبشكرهم لله تعالى في طريق طاعته فإنهم مرتبطون به ويقظون ، وعليه فإنهم يأخذون العبرة بشكل جيد ، أما أولئك الذين ركبوا سفينة الهوى وتجاهلوا نعم الله عليهم فكيف يمكنهم أخذ العبرة مما جرى ؟ * * * 2 بحوث 3 1 - المصير المذهل لقوم سبأ ! ! يستفاد مما ورد في القرآن الكريم والروايات ، وكذلك كتب التاريخ ، بأن " قوم سبأ " كانوا يقطنون جنوب الجزيرة ، وكانت لهم حكومة راقية ، وحضارة خلابة .

--> 1 - نقل هذا المثل على صورتين " تفرقوا أيدي سبأ " و " أيادي سبأ " ، ففي الشكل الأول إشارة إلى التمزق البشري ، والشكل الثاني إشارة إلى تمزق الأموال والنعم والإمكانات ، لأن " أيادي " عادة تستعمل بمعنى النعم . 2 - تفسير القرطبي وتفسير أبي الفتوح الرازي ، ذيل الآيات مورد البحث .